النويري

262

نهاية الأرب في فنون الأدب

فأما نهر النيل فزعم قدامة بن جعفر أن انبعاثه من جبل القمر وراء خطَّ الاستواء ، من عين تجرى منها عشرة أنهار ، كلّ خمسة منها تنصب إلى بطيحة . ثم يخرج من كل بطيحة نهران ، وتجرى الأنهار الأربعة إلى بطيحة كبيرة في الإقليم الأوّل . ومن هذه البطيحة يخرج نهر النيل . وقال صاحب كتاب « نزهة المشتاق إلى اختراق الآفاق » : « إن هذه البحيرة تسمّى بحيرة كورى منسوبة لطائفة من السودان يسكنون حولها ، متوحّشون : يأكلون من وقع إليهم من الناس . ومن هذه البحيرة يخرج نهر غانة ، ونهر الحبشة ؛ فإذا خرج النّيل منها يشق بلاد كورى ثم بلاد ننه ( طائفة من السودان أيضا ، وهم بين كانم والنّوبة ) ، فإذا بلغ دنقلة ( مدينة النوبة ) عطف من غربيها إلى المغرب ، وانحدر إلى الإقليم الثاني ، فيكون على شطَّيه عمارة النّوبة . وفيه هناك جزائر متسعة عامرة بالمدن والقرى . ثم يشرّق إلى الجنادل ، وإليها تنتهى مراكب النوبة انحدارا ، ومراكب الصعيد إقلاعا . وهناك أحجار مضرسة لا مرور للمراكب عليها إلا في إبّان زيادة النيل . ثم يأخذ على الشّمال فيكون على شرقيّة مدينة أسوان من بلاد الصعيد الأعلى ؛ ثم يمرّ بين جبلين هما يكتنفان لأعمال مصر ، أحدهما شرقىّ والآخر غربىّ حتّى يأتي مدينة مصر [ 1 ] فتكون في شرقيه . فإذا تجاوزها بمسافة يوم ، انقسم قسمين : أحدهما يمرّ حتّى يصب في بحر الروم عند مدينة دمياط ، ويسمّى بحر الشرق ؛ والآخر - وهو عمود النيل ومعظمه - يمرّ إلى أن يصب في بحر الروم أيضا عند مدينة رشيد ، ويسمّى بحر الغرب .

--> [ 1 ] يشير إلى الفسطاط ، أي مصر العتيقة في عرفنا الآن .